تَعِبَ الحجرُ مِنكِ بقلم محمد خلاد المغرب



إشبيلية حورية تطلع كُلَّ ليلة
من الوادي الكبير
ترقص الفلامنكو في أزقة الحي العتيق
وتستلقي بين فخذي رجل وامرأة
ثم تشعل لهب الرغبات
على منضدة الشراب
موقظةً وحش الجنس لدى السحاقيات
والمثليين وأشباه الذكور والإناث
في حانة mentiroso*
تحت أضواء تلك الأمسية الماطرة
من أيام أعياد الميلاد
بدَتْ شوارع إشبيلية فارغة
واختارت الحورية الطالعة من النهر
أن تقعد فوق صومعة كنيسة
تقرع الأجراس وتحرس المدينة
الحانة المختفية في الزاوية
بدأت مبكرا تعري عن مفاتنها
أمَامَ المِرْآةِ وقفتْ امرأة
تُسَطر حاجبَيْها بقَلمٍ بُنِّي
وتُخْفِي بمساحِيق صارخة
أخاديدَ التجاعيدِ على خَدَّيْها
وبعض ندوب الحياة
ثمة سِكِّير كان يراقب حركاتِها
ويتصوَّر ليلةً ساخنةً معها
ارتعب حينما رأى وجه امرأة أخرى
بشعر منفوش ينعكس على المرآة
اختلطت عليه الصور
امرأة واحدة ووجهان
كان يعيد تركيب ملامحها
حين شرعت تخاطب صورتها المرتدّة:
لا ذاكرة لك
من الأفضل ألا تبحثي
عن روحك الضالة في سهرات الكذابين
فقد بعتِها للشيطان
مقابل مُلَمِّع الشفاه
وبُودْرة التَّجْميل تغذين بها
صباحات بؤسك الداخلي
و تلونين بها حاملات نهديك المعلقة
على أبواب العلب الليلية
افتحي سجن قلبك الأسير
المختوم بأقفال المكر
واملئيه بملح البحر
لعل صديد السقوط يتوقف
ويتحرر منك الحجر
فقد رميتِه مراتٍ عديدة
على الزَّانيَةِ فيك لتصيري قديسة
لكن ما أتى المسيح ليطهر خطاياك
فهو لا يعرف طريق البيوت المغلقة
تعِب الحجر منك
وصار لكِ بيْتُ دعارة وقوادون
وراقصاتٌ عاريات البطن
ووِلْدانٌ مخنَّثُون يطوفون
بخمر ممزوج بأقراص النسيان
كُفِّي عن رقصات البُورْنو
فوق الأسِرَّة المخملية
فالجسدُ تفسَّخ كشريحة لحم قديمة
ومواقعُ الإباحة ملَّت منك
ومضت بعيدا
تتصيَّد نجوم السماء الصغيرة
هبة نسيم بارد
ومطر خفيف ينزلق على زجاج النوافذ
كان آخر الكذابين يرمي معطفه الشتوي
على كتفه ويغادر الحانة
صمتتْ برهة وهي تبْصقُ عِلْكَةً
عَلِقَتْ بطاقم أسنانها
كان مازال يُحملِق فيها بذُهول
قالت له في خُفوت:
نحن وحدنا في هذا المكان
كلبُ الشَّهوة ينبح في فرْجِي
وماتراه سوى ظِلِّي الخادِع
احْتسى ما تبقَّى من قدح نبيذه
وأغمض عينيه حتى لا يرى شيئا
فكل مَنْ هنا كاذب
ردَّ عليها وقد جذبها قليلا إليه:
الآن بعد أن حان الوقت
لدفن ظلك المُزيّف
اكتبي وصيتَك الأخيرة
وتجرَّعي ما تبقى من دمك
من أجل رحلة النسيان الأبدي
فأنا أيضا مُجَرَّدُ وهْمٍ عابِر
————-
:Bar Mentiroso ( حانة الكاذِب)*
وهي ملتقى معروف في إشبيلية والأدلة السياحية باستقباله للمثليين والسحاقيات ومتحولي الجنس وما شابه من باعة الهَوى رجالا ونساء، ويوجد قريبا من صومعة الخيرالدا المعلمة المعمارية الرائعة التي تختزل تاريخ الحضارة العربية / الإسلامية في الأندلس.
من أجوائه العجائبية والمثيرة استلهمتُ قصة هذا النص .
تَعِبَ الحجرُ مِنكِ بقلم محمد خلاد المغرب Reviewed by مجلة نصوص إنسانية on 26 أغسطس Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.