أنا لستُ رجلا كسولا ....بقلم هيثم الأمين / تونس




قد أبدو لكم رجلا كسولا لأنّي عاطل عن العمل!
و لكن هذا ليس ذنبي
فكلّما نجحت في العثور على عمل، أقالوني منه!
أوّل عمل حصلتُ عليه كانت وظيفة باب لغرفة في مصحّة عقليّة
في الغرفة أربعة مجانين:
سين: لا يغادر سريره إلّا لضرورة قصوى
لأنّه كان يخشى أن يغرق في الأرضيّة.
هاء: يخفي وجهه بين يديه و لا يكفّ عن الاهتزاز.
ألف: يقف طول الوقت على كرسي و يخطب بسم الله، باسم الشعب، باسم العصافير و باسم كلّ شيء.
أمّا ميم فقد كان طول الوقت يحرّك ذراعيه كما جناحي طائر.
لقد وشوش لي، يوما، أنّه ليس مجنونا و أنّه هنا، فقط، ليكون له وقت كاف ليتعلّم فيه الطيران حتّى يهاجر من هذا الوطن.
كنت أقف طول الوقت دون كلل
و لا أفشي أسرار المرضى و لا أسرار العلاج
و لكنّ الطبيب أصرّ على إقالتي لأنّ مئزره كان يعلق بمقبضي في كلّ دخول أو خروج!
بعدها اشتغلت نافذة غرفة في دار للعناية بالمسنين
كنت أُغلق فمي طول الوقت و لا أثرثر بالضّوء
لأنّ السيدة حليمة تكره الضوء الصّاخب
كانت مهمّتي الوحيدة
هي أن أسمح للسيّدة بالنظر من خلالي كلّ نصف ساعة
علّها ترى ابنها الوحيد يدخل من البوابة الرئيسية للدار
و لكنّ ابنها لم يأت يوما
حين ماتت حليمة سكن الغرفة شيخ ضرير
فقررت إدارة الدار إقالتي لعدم جدواي للنزيل الجديد و لتخفيض النّفقات.
اشتغلت، أيضا، سريرا لامرأة وحيدة
امرأة تشرب الكثير من القهوة و من الحزن
كانت تستلقي فوقي بالعرض حتّى لا تتشبّه بالموتى
و كنت أرتّل عليها ما أحفظه من قصص الحب
و أحيانا، أرتّب لها نفسي على هيأة رجل تحبّه
كلّ هذا
لتنام بقلق أقلْ
و لتنبُت، ربّما، على جلد كآبتها بثور الفرح
و لكن
حين عشّش عصفور في صدرها طردتني من العمل!
اشتغلت منفضة سجائر لرجل غاضب طول الوقت
كان الجميع يظنّ أنّه غاضب من كلّ شيء
و لكنّه كان غاضبا من نفسه فقط
هكذا أخبرني قبل أن يرميني من النافذة بكلّ غضب
لأخرج من العمل بكسور خطيرة في الجمجمة و المقعدة.
بعد ذلك ابتسم لي الحظ و اشتغلت في منظّمة أمميّة
كنت أقبض يوميّتي بالدولار
و هذا خوّل لي شراء "بيسكلات" جديدة
كانت وظيفتي، هذه المرّة: رغيف خبز
و لكنّ المسؤول الأمميّ السّامي اعترض على قرار توظيفي
و قال بالحرف الواحد:
"هذا رغيف ضخم جدا
سيشبع الجميع و لن يعود لنا دور في العالم
ابحثوا عن رغيف هزيل"
بعد هذا، عرض عليّ قاتل مأجور أن أشتغل معه رصاصة
و لكنّي رفضت
لأنّ مسدّسه دون كاتم صوت
و سأضطرّ، كلّ مرّة، أعبر فيها صدر أو رأس قتيل أن أصرخ بعنف
و أنا لا أملك حنجرة لأصرخْ.
الآن، أنا عاطل عن العمل
و لكنّي أحمل معي وعدا من مسؤول حكوميّ بأنّه سيشغّلني مرحاضا عاما
و في أسوأ الظّروف، سيشغّلني حجرا في رصيف
ربّما، لو صدق المسؤول الحكوميّ، سأصير رجلا وطنيّا جدا.



أنا لستُ رجلا كسولا ....بقلم هيثم الأمين / تونس Reviewed by مجلة نصوص إنسانية on 27 أغسطس Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.