قراءة نقدية للنص الشعري "الرسائل الأخيرة من كوكب محترق " للكاتب و الشاعر السوري زكريا شيخ أحمد
قراءة نقدية للنص الشعري "الرسائل الأخيرة من كوكب محترق " للكاتب و الشاعر السوري زكريا شيخ أحمد
مقدمة :
الشعر حين يجيء من قلب الرماد
يصلح مرآة استباقية لما قد يحدث غدا
مقدمة نقدية:
أصوات الرماد في مواجهة العدم
في "الرسائل الأخيرة من كوكب محترق" للشاعر السوري زكريا شيخ احمد لا نقرأ نصوصا فحسب بل نصغي إلى أربعة أصوات تخرج من عمق الرماد من لحظ يكون فيها الصمت هو اللغة الأخيرة و الموت هو الدرس المتأخر الذي لم يتعلمه الإنسان في الوقت المناسب.
يكتب زكريا شيخ أحمد نصوصه من الضفة المقابلة للحياة من أرض لم تعد تحتمل ثقل ساكنيها و من زمن أصبح فيه الطفل شاهدا و المرأة نداء و الأرض ضحية شاهدة على الخراب.
لا يعيد الكاتب تمثيل الحرب إنما يتجاوزها متأملا ما تبقى من الوجدان بعد أن تُسحق الجغرافيا.
تنتمي هذه النصوص إلى أدب ما بعد الكارثة لكنها لا تنزلق إلى الوعظ أو التقرير بل تسلك مسار الشعر التأملي الذي يحاور الفناء بلغة لا تخاف الهشاشة، بل تُجسّدها. اللغة هنا طينية رمادية مبللة برماد الأمهات بظلال الأطفال و بحزن الأرض كل صوت يحمل داخل عباراته نداء أخيرا لا لينقذ بل ليشهد.
من خلال تقنية تعدد الأصوات و منهج الشعر الرمزي الوجودي يمنحنا النص وجوها للكارثة لا بوصفها حدثا بل بوصفها اختلالا في شرطنا الإنساني.
في كل سطر يسأل الكاتب القارئ:
"هل هذا ما أراده الربّ منا؟"
"هل جرّبتَ أن تهمس باسم أمك فلا يردّ إلا الصدى؟"
"هل يمكن للأرض أن تعتذر؟"
هذه النصوص لا تُقرأ مرة واحدة لأنها ليست فقط كتابة عن نهاية بل هي أيضا اقتراح جديد لبداية تفكير أخلاقي في زمنٍ صار فيه الحطام أسرع من الحلم.
"الرسائل الأخيرة من كوكب محترق" ليست نشيدا جنائزيا بل مرآة لوجه الإنسان كما يبدو في لحظته الأضعف و الأكثر صدقا.
النهج الفني و الفكري
1-نهج تعدد الأصوات (Polyphonic Narrative)
استخدام أربع شخصيات (أنا/الراوي، المرأة، الطفل، الأرض) يضع النص في إطار الرؤية المتعددة و هي تقنية سردية و شعرية تعزز من تعددية التجربة الإنسانية تجاه الكارثة.
هذا النهج يُذكّر بأسلوب دوستويفسكي
(في السرد) و محمود درويش (في الشعر) حيث تتعدد الذوات الناطقة و تتشظى الحقيقة إلى زوايا شعورية.
2- الكتابة ما بعد الكارثة (Post-Apocalyptic Literature)
النصوص تُكتب من "الضفة الأخرى" لما بعد الانفجار وكأن المتكلمون هم الناجون من النهاية، أو بالأحرى أشباح الأصوات الأخيرة.
هذا يضع النص ضمن أدب ما بعد الحداثة الكارثي الذي لا يسرد الأحداث بل يتأمل في "ما لم يعد ممكنًا".
الأسلوب الأدبي
1- اللغة الشعرية الحرة
تعتمد النصوص على شعر التفعيلة الحرة دون التزام بعروض تقليدي، لكنها غنية بالإيقاع الداخلي (التوازي و التكرار و الانسياب التأملي).
الصور الشعرية عميقة و موحية:
"سقط القمر كثمرةٍ ناضجةٍ في فم القنبلة"
"كنتُ أخيط قميصاً لطفلي... فصار البيتُ نافذة على اللهب"
"حتى قلبي صار يصمتُ معي".
2- الأسلوب التأملي الحواري
هناك حضور للأسئلة الوجودية:
"هل هذا ما أراده الربُّ منا؟"
"هل يمكن أن تقول لي الأرض إنها لم تكن تقصد أن تحترق؟"
و هذا يربط النصوص بجوهر الشعر الفلسفي التأملي .
3- الاستعارة الوجودية الكونية
الأرض ليست فقط جمادا ، بل " أما/كائنا /ضميرا ".
الرماد، الحفرة، الصدى، كلها رموز وجودية تشكل عالما مليئا بالمعاني دون مباشرة.
المدارس الأدبية و الفلسفية المؤثرة
1- المدرسة الوجودية (Existentialism)
النصوص تطرح تساؤلات عن جدوى الوجود، عن العبث، عن المسؤولية الفردية و الجمعية.
تذكرنا بأعمال ( ألبير كامو ) لكنها بصوت شعري يذكّر بـ (صلاح عبد الصبور) و (أنسي الحاج) .
2- المدرسة الرمزية (Symbolism)
استخدام القمر، النار، القميص، الظل، الحفرة... كلها رموز تحتمل أكثر من تأويل.
النص يتقاطع مع روح (بول فاليري و بودلير، أدونيس، و بدر شاكر السيّاب.
3- الرؤية الأنثروبولوجية و الأخلاقية
النصوص تدين العقل البشري و تعيد مساءلة مفاهيم التقدم و الانتصار.
تنتمي إلى ما يُعرف ب الأدب الأخلاقي ما بعد الفاجعة .
مقاربة مع شعراء آخرين
المقارنة
التجريب بالصوت :مثل محمود درويش في " جدارية و بول تسيلان "
الموقف الأخلاقي: مثل مظفر النواب و نزار قباني في لحظاتهما السوداوية
التأمل الوجودي: مثل صلاح عبد الصبور في "مأساة الحلاج"
التصوير الرمزي: قريب من " أدونيس و أنسي الحاج .
الخصوصية الإبداعية للنص
رغم كل هذه التأثيرات يحمل النص بصمة خاصة واضحة:
التحام الشعر بالسرد دون أن يفقد شعريته
تجسيد فكرة الفناء بشكل إنساني لا مجرد تجريدي
جمالية الحزن دون الوقوع في الميلودراما
"الرسائل الأخيرة من كوكب محترق"هي عمل شعري تأملي يكتب شهادة النهاية من الداخل بنهج وجودي رمزي
يمزج بين الحزن و الجمال و يضعنا وجها لوجه مع عبثية الموت الجمعي.
هو نص يصلح أن يكون ( مانيفستو شعريا ضد الحرب و أن يُدرَس كحالة شعرية تجمع بين الحداثة و الضمير الإنساني المتآكل يوما بعد يوم .
اخيرا ارتأيت أن أورد نبذة مختصرة
عن زكريا شيخ أحمد
هو محامي و كاتب و شاعر سوري ينتمي إلى جيل يكتب من حافة الجرح، يؤمن أن الأدب ليس مجرد وسيلة تعبير بل وسيلة مقاومة.
في كتاباته تلتقي الفلسفة بالشعر و يتجاور الحنين مع التأمل ليصوغ نصوصا تقف عند تخوم الفقد و تحفر في ذاكرة الألم الإنساني الجماعي.
هو كردي يتكلم و يغني بالكردية لكنه يكتب بالعربية التي يتقنها كأنها نَفَسٌ أخير و كأن الكلمة هي الناجي الوحيد من الطوفان.
"الرسائل الأخيرة من كوكب محترق" هي شهادة شعرية ضد النسيان و صوت باقٍ في زمن يتكلم فيه الرماد.
ملاحظة
هذا العمل ينتمي إلى جنس النصوص الحرّة التي تتجاوز التصنيف الكلاسيكي بين الشعر و السرد.
لقد اختار الكاتب أن يطلق أربع أصوات من أعماق الفقد: صوت فرد، امرأة، طفل و أرض...
ليصوغ من خلالهم مرثية جماعية للبشرية.
قد تختلف القراءة من عين لأخرى، لكن المؤكد أن ما بين هذه السطور شيء لا يُنسى.
ليس فقط ما قيل بل "ما لم يُقَل… وما خُشي أن يُقال."
الرسائل الأخيرة من كوكب محترق
——————————————-
أربع أصوات على حافة الفناء
حين تصبح الأرض رماداً…
لا يتبقى من البشر إلا أصواتهم الأخيرة...
صوتي
——-
أنا لا أكتبُ لأُخلِّدَ شيئاً ،
بل لأُعطي هذا الرماد اسمه الأخير.
لقد كنّا هنا...
نزرع القمح في حقولٍ لم تكن لنا،
نحلمُ في لغات لن تُفهم بعد الآن.
ذاتَ مساءٍ …
انكسرتِ السماءُ فوقنا
و سقطَ القمرُ كثمرةٍ ناضجةٍ في فم القنبلة.
كلُّ شيءٍ توقف…
الطيورُ تحجّرتْ على الأسلاك،
الأمهاتُ تجمّدنَ في صلواتهن
و الأطفالُ…
صاروا أسماءً فقط.
هل هذا ما أراده الربُّ منا؟
أن نكتب وصايا الموت بمداد الغضب؟
أن نصيرَ أرقاماً في تقريرٍ أخير عن فشلِ الإنسان؟
الآن…
لا صوتَ يُسمع إلا تنفُّس الأرضِ الثقيل
كأنها تحتضرُ و تعتذرُ لنا.
الآن…
أحملُ قلبي كعملةٍ بلا قيمة
أبحث له عن قبر
في كوكبٍ لم يُخلق بعد.
صوت آخر إمرأة
———————
أنا لا أكتبُ لأُخلِّدَ شيئًا،
بل لأقول: "كنّا هنا ".
نفسد الهواء
و نحاول أن نتعلّقَ بالسماء
ثم نغرق في الغبار.
أنا…
كنتُ أخيطُ قميصاً لطفلي
حين اختفى كلّ شيء
و صار البيتُ نافذةً مفتوحةً على اللهب.
من أخبرَ النارَ أنّ لنا أسماء؟
من دلّها على أعمارنا؟
من قال للغيوم
أن تتحولَ إلى رماد؟
في الكتبِ القديمة…
قالوا إن البشر وُهبوا العقل
لكنهم نسوا أن يُخبرونا
أننا قد نستخدمه لنبيد أنفسنا.
الآن…
لا شيء يتكلّم...
حتى قلبي…
صار يصمتُ معي.
هل تعرف ما يعنيه أن تبحثَ عن ظلّك
و لا تجد شيئاً إلا حفرة؟
هل جرّبتَ أن تهمسَ باسم أمّك
و لا يردُّ إلا الصدى
كأنه يبكي بدلاً منك؟
الآن…
أضع كفي على الأرض
كمن يعتذر لطفلٍ مات و هو ينتظر صباحاً
لا يأتي.
لو بوسعي لتركتُ وردةً في قلب كل جمرة
و قلتُ: "سامحونا…"
صوت آخر طفل
———————
كنتُ ألعب…
كنتُ أعدُّ الغيمات
و أرسم بيتنا على الرمل
و كانت أمي تقول لي:
"إذا عدّتَ قبل الغروب سأحكي لك حكايةً عن القمر."
لكني تأخرت...
فانفجر كل شيء.
لم أجد أمي و لا البيت و لا الحكاية.
السماء صارت سوداء و البحر اختفى
و العصفور الذي كان يقف على النافذة...
نام للأبد.
أنا لا أفهم الحرب و لا القنبلة،
لكنني خفتُ جداً...
و أردت فقط أن أعود إلى سريري.
هل يمكن أن تعود أمي؟
هل يمكن أن أرسم الشمس من جديد؟
هل يمكن أن تقول لي الأرض
إنها لم تكن تقصد أن تحترق؟
أنا طفل…
و لا أعرف لماذا حدث كل هذا
كلّ ما أعرفه...
أني فقط أردت أن أبقى صغيراً.
صوت الأرض
—————
أنا الأرض…
منذ أول بكاء احتضنتكم.
أطعمتكم من صدري
و غفوتُم فوق قلبي
و سامحتكم
حين حرثتموني بالسكاكين
لكنني لم أحتمل النار .
حين انفجرت السماء…
صرختُ...
لكن لم يسمعني أحد.
كانوا يكتبون على جثتي
"نحن المنتصرون".
لا…لم يكن أحد منتصراً
كلكم احترقتم
كلكم صرتم شتاتَ رمادٍ في وريدي.
أنا الأرض صرتُ عجوزاً لا تنجب
لا تغني و لا تحلم.
كلُّ ما بقي في داخلي
هو هذه العظام التي لم تجد من يودّعها
و هذا الصمت... الصمت الثقيل
الذي يشبه اعترافاً متأخراً بالذنب.
سامحوني… أنا لم أخنكم
أنتم من خنق أنفاسي
بالعلم...
و النار...
و الكبري
Reviewed by مجلة نصوص إنسانية
on
25 يونيو
Rating:

ليست هناك تعليقات: