في البنية التأملية والمفارقة وتحول الأشياء إلى حوامل للمعنى في شعر زكريا شيخ أحمد بقلم: محمد وليد يوسف
حين تصبح الصورة الشعرية فكرة
في البنية التأملية والمفارقة وتحول الأشياء إلى حوامل للمعنى في شعر زكريا شيخ أحمد
بقلم: محمد وليد يوسف
لا تنشأ القيمة الشعرية في النص الحديث من كثافة الصور وحدها ولا من غرابة الاستعارة أو اتساع المعجم،
وإنما تتأسس في أحد وجوهها الأكثر أهمية على قدرة الصورة الشعرية على تجاوز وظيفتها التزيينية لتصبح طريقة في التفكير.
فالصورة التي تستحق أن تبقى هي تلك الصورة التي تعيد ترتيب علاقته بشيء كان يظنه مألوفًا: بالبيت والذاكرة والجسد والوطن والكتابة والموت وحتى باللغة نفسها
و ليست فقط تلك التي تدهش القارئ لحظة قراءتها فحسب.
و في نصوص زكريا شيخ أحمد تبرز هذه الخاصية بوصفها مكوّناً بنيوياً في التجربة الشعرية، لا مجرد تقنية أسلوبية عابرة.
فالشيء في قصيدته لا يبقى دائماً في حدوده المادية الأولى،
إذ يتحول إلى منفذ نحو معنى آخر وتتحول العلاقة بين الإنسان والأشياء إلى علاقة قابلة لإعادة التعريف.
ومن هنا يمكن قراءة تجربته الشعرية بوصفها كتابة تتجه من - الصورة إلى الفكرة ومن الفكرة إلى السؤال -
من دون أن تتخلى عن كثافة الشعر لصالح التجريد.
الصورة بوصفها إعادة تعريف للعالم
من أكثر السمات وضوحاً في هذه التجربة أن الشاعر لا يكتفي باستخدام الاستعارة لنقل معنى جاهز وإنما يعيد من خلالها تعريف الشيء نفسه.
في نص «مسودة الغياب» يقول:
«أنا الحجرُ الذي فرَّ من الجدارِ خشية أن يصبح بيتاً.»
تكمن قوة هذه الصورة في أنها لا تقول إن الشاعر يشعر بالغربة فحسب، ولا تستبدل كلمة «الغربة» بصورة حجرية فحسب؛ بل تعيد بناء مفهوم البيت ذاته. فالحجر في منطقه الطبيعي، جزء من الجدار، والجدار أحد مكونات البيت. لكن الصورة تقلب العلاقة: الحجر يفر من الجدار خوفًا من أن يتحول إلى بيت.
هنا لا تعود الاستعارة مجرد مقابلة بين الحجر والإنسان، وإنما تصبح مفارقة وجودية حول الانتماء. فالبيت، الذي يفترض أن يكون رمزاً للأمان والاستقرار، يتحول إلى احتمال آخر للفقد؛ والانتماء نفسه يصبح شيئاً يمكن أن يخشاه الكائن بدل أن يطلبه.
وهذه إحدى الخصائص المهمة في شعرية زكريا شيخ أحمد: المعنى لا يأتي من الصورة وحدها، بل من الخلل الذي تحدثه الصورة في منطق الأشياء.
المفارقة بوصفها أداة تفكير
المفارقة في هذه النصوص ليست مجرد تضاد لغوي وإنما هي آلية لإنتاج المعنى.
في «مسودة الغياب» أيضاً يرد:
«الشعر ليس نجاةً،
الشعر هاويةٌ نؤثثها بالاستعارات.»
هنا يعاد النظر في الوظيفة التقليدية التي يمكن أن تُسند إلى الشعر.
فالكتابة التي يفترض أن تكون وسيلة للخلاص تصبح هاوية، لكن الشاعر لا يكتفي بهذا الانقلاب؛ إذ يضيف أن هذه الهاوية نفسها تُؤثث بالاستعارات.
والفعل «نؤثث» بالغ الدلالة؛ لأنه يستعير من عالم البيت ما ينتمي في الأصل إلى عالم السقوط.
وهكذا تتجاور مفردات متباعدة: الهاوية والبيت، السقوط والأثاث، الخطر والسكن.
ومن هذا التجاور تتولد الفكرة الشعرية: الكتابة لا تلغي الهاوية وإنما تمنحها شكلاً يمكن للكائن أن يقيم فيه مؤقتاً.
وهنا تتضح أهمية الفعل الشعري في النص: ليس المطلوب أن يشرح الشاعر فكرته، وإنما أن يجعل القارئ يعيش المفارقة قبل أن يستخلص معناها.
من الشيء إلى المفهوم
تقوم بعض النصوص على نقل الأشياء اليومية من مستوى الاستعمال إلى مستوى الوجود.
في «غرفة جانبية» تتحول الذاكرة إلى بيت:
«الذاكرةُ بيتٌ قديمٌ
ننسى فيه المصابيحَ مضاءةً
ثمَّ نشكو منَ العتمةِ.»
هذه الصورة لا تقدم الذاكرة بوصفها مستودعاً للماضي، وهي الصورة التقليدية التي يمكن توقعها، وإنما تمنحها بنية معمارية.
يصبح النسيان نفسه فعلاً داخلياً يحدث في بيت الذاكرة: المصابيح موجودة، لكن الإنسان نسيها مضاءة ولذلك لا تعود المشكلة غياب النور بقدر ما تصبح عجزاً عن رؤية ما يزال موجوداً.
وهذا التحويل من المجرد إلى المحسوس لا يؤدي وظيفة زخرفية، إنه يجعل الفكرة قابلة للرؤية.
فالذاكرة تصبح مكاناً يمكن الدخول إليه والمصباح يصبح احتمالاً للمعرفة والعتمة نتيجة لعلاقة الإنسان بما يحتفظ به وينساه في الوقت نفسه.
الشعر بوصفه سؤالاً عن الشعر
من اللافت أن الكتابة عند زكريا شيخ أحمد لا تتعامل مع الشعر باعتباره أداة شفافة للتعبير، بل تجعل فعل الكتابة نفسه موضوعاً للتأمل.
في «لا تبخسوا الشعر قدره» لا يكتفي النص بالدفاع عن الشعر، بل يعيد تعريفه من خلال سلسلة من التحولات:
«الشعر ليس كلاماً يمكن وزنه بعدد الكلمات.»
ثم ينتقل إلى صور تجعل الحجر والنافذة والطريق كائنات تمتلك ذاكرة:
«إنه ذلك الشيء الذي يجعل
الحجرَ يتذكر اليد التي رمته…
و النافذةَ تشتاق إلى وجهٍ مرّ بها…
و الطريقَ يحفظ خطوات من رحل…»
هنا تتجاوز الصورة حدود التشخيص البلاغي. فالحجر لا يصبح إنساناً بالمعنى الحرفي، والنافذة لا تملك ذاكرة فعلية، لكن الشعر يمنح الأشياء قدرة على حمل أثر الإنسان.
وبذلك يصبح الشعر وسيلة لإعادة توزيع الذاكرة بين الكائنات: ما يرحل من الإنسان قد يبقى في الحجر، وما يغيب عن الوجه قد تحتفظ به النافذة، وما لا يستطيع صاحبه استعادته قد يظل الطريق حاملاً لأثره.
وهذه الرؤية تنقل القصيدة من كونها كلاماً عن التجربة إلى كونها مكاناً لحفظ ما تعجز الحياة عن حفظه.
من الشاعر إلى القصيدة
ومن النتائج اللافتة لهذا التصور أن الشاعر نفسه لا يبقى مركز العملية الشعرية.
في خاتمة «مسودة الغياب»يقول:
«أنا لست الشاعر،
أنا الغبار الذي تخلف عن القصيدة بعد أن عبرتْ...»
تتخذ الصورة هنا شكاً معاكساً لفكرة الشاعر بوصفه صاحب القصيدة وسيدها. فالقصيدة لا تعود أثراً أنتجه الشاعر، بل قوة عبرت من خلاله وتركت منه غباراً.
هذه الصورة تفتح سؤالاً عن علاقة المبدع بعمله:
هل القصيدة ملك لمن كتبها؟
أم أن فعل الكتابة في لحظة معينة يجعل النص يتجاوز صاحبه؟
إن الشاعر هنا لا يعلن امتلاكه للنص وإنما يعيد تعريف نفسه بوصفه الأثر المتبقي بعد حدوث القصيدة.
وهذا التحول مهم لأنه يحرر الكتابة من مركزية «الأنا» من دون إلغائها. فالأنا موجودة، لكنها تظهر باعتبارها أثراً لا سلطة.
الذاكرة والمنفى والوطن
في النصوص التي تتصل بالوطن والمنفى لا يتخذ المكان وظيفة جغرافية محضة.
ففي «مسودة الغياب»يقول الشاعر زكريا:
«الوطن ليس الأرض التي نولد عليها،
الوطن هو تلك الفجوة الصغيرة بين شهيقين،
حيث نكون أحراراً من أسمائنا،
و من لغاتنا،
و من خطايانا التي سميناها تاريخاً.»
هذه الصياغة لا تلغي المعنى الجغرافي للوطن، وإنما تنقله إلى مستوى آخر:
الوطن يصبح لحظة وجودية قصيرة «فجوة بين شهيقين».
وهذه الحركة من المكان إلى الزمن ومن الجغرافيا إلى الجسد تكشف عن رغبة في البحث عن معنى للانتماء لا يتوقف على الحدود والأسماء.
وفي «جغرافيا المقاصل» يأخذ المكان وجهاً آخر؛ إذ تتحول الخريطة إلى سجل للأجساد والاقتلاع والحدود والذاكرة.
لكن اللافت أن النص لا يكتفي بوصف الجغرافيا السياسية، بل يحولها إلى جغرافيا إنسانية؛ فالخريطة لا تُقرأ عبر خطوطها وحدودها وإنما عبر ما تركته تلك الخطوط في الذاكرة والجسد.
وهنا يصبح المكان في التجربة الشعرية أثراً أكثر منه موقعاً.
الأشياء الصغيرة بوصفها مرايا للوجود
من خصائص هذه الكتابة و الملاحظة كثيرا في كتابات زكريا كذلك أنها لا تحتاج دائماً إلى الأشياء الكبرى كي تقول الأفكار الكبرى.
في «غرفة جانبية» نجد المعطف والكرسي، والمقعد والباب والساعة والمصباح.
لكنها لا تظهر بوصفها ديكوراً للمشهد وإنما بوصفها أدوات لقراءة الزمن والفقد.
ومن أجمل التحولات في النص أن الشاعر لا يقول إن الحزن انتهى، بل يقول:
«كي لا تُوقظَ الحزنَ الذي نامَ أخيراً.»
الحزن هنا ليس فكرة مجردة؛ إنه كائن نائم يمكن إيقاظه.
لكن الأهم أن إغلاق الباب برفق يصبح فعلًاً أخلاقيًا تجاه الحزن نفسه.
إن الإنسان لا ينتصر عليه ولا يطرده وإنما يحاول ألّا يوقظه.
وهذه اللغة تكشف عن حساسية خاصة تجاه الألم: ليست كل الأشياء بحاجة إلى أن تُحسم، وبعض الأحزان يكفي أن نتركها نائمة.
بين الغنائية والتأمل
لا تنحصر تجربة زكريا شيخ أحمد في نمط شعري واحد. ففي بعض النصوص تبرز الغنائية المباشرة، وفي نصوص أخرى يقترب البناء من قصيدة النثر والتأمل الفلسفي. غير أن ما يجمع هذه المستويات هو حضور الصوت الداخلي الذي يجعل التجربة الشخصية منفذاً إلى معنى أوسع.
ولهذا فإن القيمة الفنية لا تتحدد في هذه النصوص بطول السطر الشعري أو قصره، ولا بمدى انتظامه الموسيقي وحده، وإنما بقدرته على خلق إيقاع دلالي يتولد من التكرار والتحول والمفارقة وتتابع الصور.
فالإيقاع قد يكون في عودة كلمة، أو في انتقال الصورة من معنى إلى آخر، أو في تكرار بنية نحوية، أو في التوتر بين جملة تقريرية وأخرى استعاريّة.
وبهذا المعنى يمكن الحديث عن موسيقى داخلية لا تقل أهمية عن الموسيقى الخارجية.
القصيدة بوصفها طريقة في النظر
إذا أمكن استخلاص مبدأ جامع من هذه النصوص، فهو أن القصيدة لا تقدم العالم كما هو، وإنما تقترح طريقة أخرى لرؤيته.
الحجر ليس حجرًا فقط.
والنافذة ليست نافذة فقط.
والطريق ليس طريقًا فقط.
والبيت ليس مكانًا فقط.
والرماد ليس مجرد ما تبقى من النار.
في «مسودة الغياب»يقول الشاعر زكريا:
«الرماد ليس بداية النار،
الرماد هو الخاتمة التي تعتذر بها الأرض.»
هنا يتحول الرماد من نتيجة فيزيائية للاحتراق إلى خاتمة واعتذار.
إن الأرض نفسها تدخل في الصورة بوصفها كائنًا يعتذر وبذلك يصبح الخراب لغةً لا مجرد مادة.
هذه القدرة على نقل الأشياء من وظيفتها الأولى إلى أفق دلالي جديد هي إحدى السمات التي تمنح النص الشعري قابليته للبقاء. فالقارئ قد ينسى العبارة، لكنه لا ينسى بالضرورة الطريقة الجديدة التي جعلته النص يرى بها حجراً أو نافذة أو رمادا
كلمة أخيرة:
إن الشعر في هذه التجربة لا يبدو بحثا عن إجابة بقدر ما يبدو بحثًاً عن صيغة أكثر دقة للسؤال.
ولهذا لا تنتهي القصيدة حين ينتهي السطر الأخير؛ إذ تظل الصورة تعمل في ذهن القارئ بعد انطفاء اللغة المباشرة.
وهذه ربما إحدى العلامات الفارقة في الكتابة التي تتجاوز البلاغة إلى الرؤية: أن تمنح الأشياء حياة دلالية جديدة وأن تجعل المجرد قابلاً للرؤية والمحسوس قابلاً للتأمل، واليومي قابلاً لاكتشاف معنى وجودي خلفه.
وعندما تبلغ القصيدة هذه الدرجة، لا تعود الاستعارة زينة للمعنى، و بذلك تعود و تصبح طريقة المعنى في الوجود.
ومن هنا يمكن فهم شعر زكريا شيخ أحمد بوصفه كتابةً تحاول أن تجعل من القصيدة مساحةً لإعادة النظر في الأشياء التي نظن أننا نعرفها: البيت، والمنفى، والذاكرة، والموت، والوطن، والكتابة، وحتى الشاعر نفسه.
فالشعر، في النهاية ليس أن تقول للآخرين ما رأيت.
إنه أن تجعلهم يرون الشيء نفسه، لكن للمرة الأولى.
Reviewed by مجلة نصوص إنسانية
on
27 سبتمبر
Rating:

ليست هناك تعليقات: