قراءة فلسفية دلالية تأويلية موجزة - زاوية الرؤية: مفارقة الزمن والذات، وانكشاف الإنسان في تفاصيل العابر واليومي في نص الشاعر زكريا شيخ أحمد " متأخر قليلا " بقلم إبراهيم علي الإدريسي
{حين يتأخر الإنسان عن نفسه}
- قراءة فلسفية دلالية تأويلية موجزة
- زاوية الرؤية: مفارقة الزمن والذات، وانكشاف الإنسان في تفاصيل العابر واليومي
النص : متأخر قليلا
الشاعر : زكريا شيخ أحمد
~~~~~
مدخل :
ليس التأخر هنا مقداراً من الوقت، بل حالةٌ من الوجود.
خمس دقائق تبدو في ظاهرها فاصلاً صغيراً، لكنها في النص تتحول إلى مسافةٍ كاملة بين الإنسان ونفسه.
فالشاعر لا يصل متأخراً إلى مكان، بل يصل متأخراً إلى معنى حضوره فيه.
حتى حين يكون وحده، يظل ثمة موعدٌ غامض يفوته.
~~~~~~
1- ((أصل متأخراً دائماً بخمس دقائق))
جملة تبدو ساخرة في بدايتها، لكنها سرعان ما تنفتح على مأزق أعمق:
كيف يمكن للإنسان أن يتأخر عن ذاته، وهي الشيء الوحيد الذي لا ينبغي أن يفوته؟
2- ثم يأتي المفتاح بوصفه علامةً فلسفية لا مجرد أداة للفتح.
((أضع المفتاح في الباب، وأفكر: ماذا لو لم أفتح؟))
هنا يصبح الباب فاصلاً بين احتمالين:
الدخول إلى الحياة، أو البقاء على عتبتها.
فالفتح ليس فعلاً ميكانيكياً، بل قراراً بالوجود.
3- القهوة تدخل في هذا القلق الصامت.
((القهوة تبرد بسرعة))
وكأن الأشياء نفسها بدأت تفقد صبرها على انتظار الإنسان.
إنها استعارة دقيقة لزمنٍ لا يتوقف كي يمنحنا فرصة اللحاق به.
4- ثم تأتي الصورة القديمة، وهي أعمق مرايا النص.
الصورة تحفظ شخصاً لا تحفظه الذاكرة.
((لا أتذكر الولد الذي فيها))
وهنا لا ينسى الإنسان صورته، بل ينسى صلته بمن كانه.
كأن الزمن لا يمحو ملامحنا، وإنما يمحو الطريق الذي كان يصلنا بها.
5- حين يحاول ترتيب الغرفة، يحدث الانقلاب الأجمل:
((أرتب أفكاري بالغلط، وتظل الغرفة كما هي)).
كأن الفوضى الخارجية ليست المشكلة أصلاً؛
المشكلة أن الداخل أكثر ازدحاماً من أن يُرتَّب.
الغرفة هنا ليست مكاناً، بل استعارة للذات.
كلما حاول أن يعيد الأشياء إلى مواضعها، اكتشف أن الأشياء الحقيقية مبعثرة في داخله.
ولهذا تبقى الغرفة كما هي، لأن الخراب لم يكن في الأثاث.
6- في الخارج، يبدو العالم واثقاً من وجهته.
((الناس يعرفون أين يذهبون)).
أما هو فلا يدّعي امتلاك الطريق، وإنما يكتفي بامتلاك الحركة:
((أنا أعرف كيف أمشي، وهذا يكفي حالياً)).
وهذه العبارة ربما تختصر فلسفة النص كلها؛
فالنجاة أحياناً ليست أن تعرف إلى أين تصل، بل أن تملك القدرة على الاستمرار في المشي.
أن تتحرك رغم غياب الخريطة،
وأن تقبل مؤقتاً بأن يكون الطريق مجهولاً دون أن يكون العبور مستحيلاً.
7- ثم تأتي الخاتمة كاعترافٍ لا يحتاج إلى تفسير:
((متأخر قليلاً عن الحياة، عن نفسي، عن كل شيء، إلا عن الكتابة)).
هنا تنكشف المفارقة الأخيرة؛
فحين يتعذر على الإنسان أن يلحق بحياته، تلحق به الكتابة.
وحين تعجز الذاكرة عن استعادة الطفل القديم، تستعيده الكتابة ولو كأثر.
الكتابة في النص ليست مهنةً ولا ملاذاً جمالياً فحسب،
بل هي الموعد الوحيد الذي لم يضيّعه الكاتب.
كأنها المكان الذي يستطيع فيه المتأخر أن يصل في الوقت المناسب.
8- إنه نص عن إنسان لا يبحث عن الوصول بقدر ما يحاول ألّا يفقد الطريق إلى نفسه.
ولذلك يبدو تأخره هادئاً، بلا شكوى ولا ضجيج؛
فهو يعرف أن بعض التأخر ليس عجزاً عن الحياة،
بل طريقةٌ أخرى لفهمها.
"ربما لا يكون الإنسان متأخراً عن الحياة؛ ربما كانت الحياة هي التي تمضي أسرع مما تحتمل الروح."
النص :
متأخر قليلا
أصل متأخراً دائماً بخمس دقائق
حتى عندما أكون وحدي.
أضع المفتاح في الباب
و أفكر: ماذا لو لم أفتح؟
القهوة تبرد بسرعة هذه الأيام
كأنها أيضاً مستعجلة.
أرى صورة قديمة لي
لا أتذكر متى التقطتها
و لا أتذكر الولد الذي فيها.
أحاول أن أرتب غرفتي
فأرتب أفكاري بالغلط
و تظل الغرفة كما هي.
في الخارج…
الناس يعرفون أين يذهبون.
أنا أعرف كيف أمشي و هذا يكفي حالياً.
متأخر قليلاً عن الحياة، عن نفسي، عن كل شيء، إلا عن الكتابة.
إبراهيم علي الإدريسي
Reviewed by مجلة نصوص إنسانية
on
04 نوفمبر
Rating:

ليست هناك تعليقات: