مأتمُ الذَّات في مرايا الذَّاكرة : إبراهيم علي الإدريسي / العراق
أَتوغَّلُ في نفسِي..
فلم أَجدْها،
رقدتُ في ظلِّي..
أَورقَ خوفِي؛
أهي الرِّحلةُ الأَخيرةُ..
إلى معبدٍ ،
لم يدخُلهُ النُّورُ..
إلا ليمُوت ؟! .
كم كان الليلُ عاتياً،
يجرُّ خلفهُ خيبةَ الفصول؛
كأنه قيدٌ أزليٌّ..
وُضعَ على معصمِ الرُّوحِ
ليُردِيها في غياباتِ الكمد.
كانت الليلةُ ضاريةً،
فتقَتْ صخبَ المَخِيلةِ
بساعاتِها الطِّوالِ،
لتحشُر حُشاشةَ الماضِي
نُصُولاً صدئةً..
تنهشُ العُمر،
حتى ذرَّتِ الشَّمسُ
شفقاً خضِيباً..
على نزِيفِ الجِراح.
لقد تكالبتْ أطيافُ الأمسِ
في محفلِ الوجع،
ونفضتْ
عن كاهِلِها غبارَ التَّناسي،
لتُصبِحَ الذَّكرياتُ
عساكرَ مدججةً بالملامةِ..
تجتاحُ معاقِلَ الطَّمأنينة.
أتنفسُ الذُّعرَ
في مضاجِعِ السُّهاد،
وحيثما التفتُّ..
أرى عتاباً قديماً
يرتدي ثوبَ مِقصَلَة،
يتربَّصُ بآخرِ شهقةٍ من الصَّبرِ
كادتْ أن تُفلِتَ..
من مخالبِ الضَّياع.
لم يكن ذلك الوقتُ
مجرَّدَ عقاربَ تدور،
بل كان رَحىً
تطحنُ عظامَ الرَّجاء،
فتذرو الشَّظايا..
في مهبِّ التَّلاشي،
حتى استحالَ المدى
إلى مأتمٍ كونيٍّ..
لا يُعزّى فيه أحد.
تلك النُّصولُ الصَّدئةُ
لم تجرحِ الجسدَ،
بل مزَّقتْ غِشاءَ الحِلْمِ القديم،
فتساقطتِ الأماني
هباءً مَنثوراً،
وغدا الفؤادُ هيكلاً ..
تسكنُه رياحُ النَّدم.
وها أنا أَقفُ
على أطلالِ الذَّات،
أُبصرُ الفجر يولدُ..
مذبوحاً على أُفُقي،
فلا الصُّبحُ يغسلُ سَوادَ ما كابدتُ،
ولا النَّزيفُ يكفُّ..
عن تدوينِ ملحمة الفَناء.
فإن كانتِ الذَّاكرةُ آخرَ ما تبقّى منّي،
وكانتْ هي ذاتُها مَن اغتالني،
فمَن يقفُ الآنَ
على أطلالِ مَن ؟
وأيُّنا كان أنا ؟!
إبراهيم علي الإدريسي
من مجموعة
"اعترافات مجرّدة"
Reviewed by مجلة نصوص إنسانية
on
05 نوفمبر
Rating:

ليست هناك تعليقات: