كلَّ يوم، …هاجر الرقيق


كلَّ يوم، 
تدغدغُ أمّي جُدرانَ البيت
إلى أن تتقشّرَ الضّحكاتُ على الأرض،
بيضاءَ من شدّةِ البراءة.
و كم كنتُ أفرحُ حين أجد ضحكةً صغيرة
عالقةً في شَعري !
في مدينةٍ فقيرة،
كانت النّكاتُ هي الجِير الأقلَّ ثمنًا
لترميمِ العائلات،
و لهذا كانت الشُّقوق 
لا تكفُّ عن الابتسام !
حتّى حين تنقطعُ الكهرباء عن الحيّ،
تظلُّ البيوت المجاورة تعملُ بالفرح.
كلّما ٱحترقت إحدى الأسلاك،
مَطّطتْ أمّي عُروقَ قلبها على طُولِ الشّارع
حتّى تظلَّ كلّ الغُرَفِ مُضاءة. 

شيّدَ والدايا بيتنا 
بأكثرِ موادّ البناءِ هشاشةً في العالم:
الحُبّ.
لهذا طيلةَ الوقت 
نمشي على الأرضيّةِ بحذر
مخافةَ أن تسقطَ قُبلةٌ عميقة
فوق رؤوسنا.
مرّةً قضّيتُ ليلةً كاملةً بالمشفى
لأنّ السّقفَ كان رومانسيًّا معي 
زيادةً عن اللّزوم !
كانت أمّي تقول بأنّ البيوتَ، كالبشر، 
تعاني هي الأخرى عُيوبًا في الشّخصيّة.
لسطحنا، مثلاً، "لسانٌ طويل".
كلّما هطلت الأمطار،
بلّلنا بأحاديثهِ الكثيرة !
و هكذا كلَّ شتاء،
كانت أمّي تنشُرنا تحت الشّمس
قطعةً قطعة
لتُجفّفنا من ثرثرةِ الطُّوب.

بعض البيوت 
تُصاب بتشوّهاتٍ خلقيّةٍ أيضًا.
منذ وفاة أبي،
و بيتنا يمشي على ساقٍ واحدة.
كلّما أراد أن يقفز فوق نطّاطيّةِ اليُتْم،
وقعَ و كسرَ عظامه. 
لقد رأيتُ أمّي في أكثر من مرّة
و هي تفكُّ مفصلاً من عمودها الفقريّ
فقط حتّى لا تتوقّفَ أيّامُنا عن الحركة. 
من بين كلِّ جُدرانِ البيت،
كان ظهرُ أمّي الأكثرَ تماسكًا.
كلَّ يوم،
ننتزعُ أنا و إخوتي بُرغيًّا منه 
و نعيدُ تشغيلَ العالمِ من جديد.

— هاجر الرّقيق

 

 

كلَّ يوم، …هاجر الرقيق Reviewed by مجلة نصوص إنسانية on 02 يونيو Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.