أفيونٌ رَقَميّ ...فداء البعيني / سوريا

 ( أفيونٌ رَقَميّ )


لا عتبَ على الإنسانيةِ في تهافتها لاحتضان الاختراعاتِ وإبداعات التكنولوجيا، لكنها مُدانةٌ حتماً حين تتجاهل ما تعطّله وتقزّمه باندفاعها الجنونيّ المتناميّ إلى استخدام الرقميّات.. 

تعتمد "القراءة العميقة" على المعالجة الذهنيّة الفعّالة والمعرفة الضمنيّة والتحليل المنطقيّ والنقديّ والاستنباط والعاطفة ورصدِ مكامن الجمال وتبنّي وجهات النظر، لكن هذه المهاراتِ الضروريةَ التي هي بمقام المَلَكات في طريقها إلى الانقراض في خضمّ الارتفاع الحراريّ لهَوَسِ القراءةِ الرقمية!

ولا يكمن الخطرُ الأكبر فقط في عدم بِرِّ الأدب من قِبَلِ  الأجيال القادمة التي لا تملك صبرَ أسلافها فتلجأ إلى التصفُّح الإلكترونيّ السريع "لتقُشَّ الزبدةَ " دون الغوص في العمق ، وإنما الطّامّةُ الكبرى هي في اضمحلالِ وتعطيل دارةٍ عصبيةٍ طوَّرَها الدماغُ البشريُّ منذ أول شيفرة عمل الإنسانُ القديمُ على فكّها، دارةٍ عمرُها آلافُ السّنين، وهكذا وبتعطيل هذه الدارة تتلاشى أسسُ "القراءة العميقة"، الأمرُ الذي سيكون له التأثيرُ الكبير على الجميع، حينها سنتلقّى هذا السّيلَ الجارفَ من المعلوماتِ، وسنتجرّعُهُ ونحن فاقدون لحاسّة الصحيح ونقيضه، لأننا، ومن دون أن نعي ، نكون قد استأصلنا رقميّاً تلك الخلايا العصبيةَ ، فلا نعود قادرينَ على التمييزِ  بين السُّمِّ والتّرياقِ ، وهكذا نكون لُقمةً سائغةً في أفواه غاسلي أدمغتنا!!!


للورق حميميةُ الشجرِ ، لا تحاكيها أبدعُ الاختراعات....

فلنبدأْ معاً حملةَ العودةِ إلى الكتاب...


أفيونٌ رَقَميّ ...فداء البعيني / سوريا Reviewed by مجلة نصوص إنسانية on 05 يناير Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.