بروتوكول ما بعد الطلقة قراءة محمد وليد يوسف في مشروع زكريا شيخ أحمد الشعري


 


بروتوكول ما بعد الطلقة

قراءة محمد وليد يوسف في مشروع زكريا شيخ أحمد الشعري


المقدمة


لا يمكن قراءة زكريا شيخ أحمد من نص واحد. من "الصبر في دمي" إلى "معطف" و"يا صاحبي" و على مدى أكثر من 15 سنة ما يزيد على 6000 نص شعري  بين قصيدة و قصة قصيرة جداً و شذرات.


إلى جانب ذلك نشر  مجموعة "ضوء هناك"و مجموعة "اجتياز" ثنائية اللغة عربي - ألماني  و رواية "حدث في الشمال ".


ولأن هذا الأرشيف ضخم، اعتمدت على بعض نصوصه الشعرية منها:


- "بروتوكول ما بعد الطلقة"

- "أغمض كي أرى"

- "المشي داخل رأس محترق"

- "ما لا تطفئه العتمة"

- "ما تبقى من اسمي"

- "غير قابل للبلع"

- "كوردستان في ساعة الخبز" 

- "أكلت جزءاً من رأسي"


 زكريا شيخ أحمد لا يكتب قصيدة، إنه يكتب بنية رؤيوية كاملة. 

الزمن عنده ليس موضوعاً، وإنما بنية. 

والخراب ليس حدثاً، إنه خريطة داخلية.


الفصل الأول: البنية الرؤيوية - الزمن كنار وهلام وطلقة


1. الزمن كنار


في "دلالات الزمن" يلخص الشاعر رؤيته:


"الزمن ليس مستودعاً. الزمن نار هادئة تحوّل كل ما نؤجله إلى رماد"


و تتكرر هذه النار في "رماد على الطاولة" و"مرافعة الرماد الأخير" و"ركام" و"مسودة الغياب" و"فراغ بحجم إنسان". 

الرماد ليس نهاية، إنه دليل على أن شيئاً احترق و لم يُقل في وقته.


2. الزمن كهلام


في "حين يعبرني الوقت" و"هُلامُ الوقتِ... عظامُ المكان"

يتحول الزمن من نار إلى جسد: وقت لزج، هلامي لا يمر، بل يعبر داخل الشاعر ويترك عظامه هي المكان الوحيد الثابت.


وفي "تنفس الأزمنة في متحف مصر الكبير" و"مصر حلم الازمنة وذاكرة الحجر"، يخرج الزمن من الذات إلى التاريخ. 

الحجر نفسه يتنفس أزمنة.


3. الزمن كطلقة


في "بروتوكول ما بعد الطلقة" يصل الزمن إلى ذروته. 

يسأل زكريا القارئ:

"5 نصوص أم 5 سكاكين؟"


تشريح الزمن:


"الرصاصة لم تقتل أحداً، هي فقط قصّت الشريط الذي يربط 2011 بما بعده. 

منذ ذلك اليوم ونحن نمشي 

على حبل مشدود بين طلقة وطلقة 

وتحتنا هوة اسمها الغد. 

الوقت الآن جثة في المشرحة والطبيب يسأل: متى مات؟ 

فنقول: حين ظنّ أن الأزيز سينتهي."


إنجيل الغبار:


 "الغبار كتب على الجدران أسماءنا بخط غير قابل للمحو. 

العصافير كانت تترجم كل طلقة إلى بيت شعر وكل بيت شعر إلى قبر. 

حين هدأ كل شيء اكتشفنا 

أن المدن صارت قصائد طويلة مقطوعة العروض مكسورة القافية لكنها حية."


تدريب الروح:


"الروح بعد الحرب تتعلم المشي من جديد، تمسك بيد الطفل الذي لم يُولد بعد."


أرشيف الصدى:


"في الأرشيف رصاصة محفوظة في علبة زجاج، تحتها ورقة: 

عينة من صوت 2011. 

الصدى لا يموت، يتكاثر. 

كل طلقة تولد ألف صدى 

وكل صدى يربي ألف يتيم."


وصية الماء:


"الماء في الحنفيات صار يذكر أسماء الشهداء. حين تشربه 

تشرب معه تاريخاً كاملاً من العطش والصبر. هذه وصيتنا للأرض: 

إن جفّت اسقها من بكاء من بقي."


هذه هي البنية الرؤيوية: الزمن لا يمر، 

الزمن يُشرّح، ويُحفظ في علبة زجاج، ويُشرب مع الماء.


الفصل الثاني: ديناميكية الفقد وإيقاع الحركة


في قراءتي لنص "كوردستان في ساعة الخبز"، يمكنني تسمية هذه الحركة "ديناميكية الفقد وإيقاع الحركة". 

الفقد لا يتوقف، إنه يتحرك، ويولد إيقاعاً.


وفي قراءتي لنص "الرجل الذي لم يلتفت إلى اسمه"، أعيد القول إنه زلزال داخلي يعيد ترتيب صلة الإنسان بجسده وبيته ولغته. 

وفي النص:


"خرجتُ من جسدي كي أراه للمرة الأولى"

"أنا من جهةٍ 

إذا نطق اسمَه أحدٌ انخفض صوتُه كأنّه يعتذر من لغةٍ تخبّئ موتاها في الحروف"


"كلما كتبتُ كلمةً خرج منها رجلٌ يشبه أبي ومضى إلى الحرب... 

وكلما محوتُها عاد أبي، لكنه كان ينقص إصبعاً في كل مرة"


"كان الناس يحملون بيوتهم فوق ظهورهم"


"لم أفتح له"


وفي "لا أسابق أحدا" يتحول الفقد إلى موقف سيادي:


"لا أسابق أحدا فأنا نغمة الصمت في صخب الزمن. 

أنا الريشة التي ترسم الأفق بألوان الحلم."


"لا أسابق أحدا فأنا الزمن الذي لا يعود 

وأنا الحلم الذي يسكن في عيون الطفولة."


"أستعين من روح درويش ونزار والنواب ورياض لأكون أنا، كما أنا."


الشاعر لا يسابق، لأنه هو الزمن نفسه.


الفصل الثالث: خرائط الخراب الداخلي


في قراءتي لنص "المشي داخل رأس محترق"، أسميت النص "خرائط الخراب الداخلي". الخراب ليس في المدينة، إنه في الرأس.


هذا الخراب يظهر في عدة نصوص منها:


- نص تعويذة البقاء إنساناً:


"ليس من البطولة أن تمشي على الزجاج، 

بل أن تحتمل صوت تكسره تحت قدميك 

دون أن تكره الأرض. 

أن تسامح وأنت تعرف 

أن الذي طعنك لم ينسَ وجهك. 

أن تحب وأنت لا تؤمن بالحب كما لا تؤمن العصافير بالقفص لكنها تغني فيه. 

أن تنهض وتحمل جسدك كصليب وتبتسم للذين ظنوك ميتاً. 

أن تموت كل ليلة وتعود كل صباح وأنت أكثر طهارة من الأمس"


- نص الأثر: 


"في طفولتك كان هناك شخص ينادي اسمك بطريقة مختلفة. 

ليس أعلى، ليس أحنّ، 

لكنها كانت طريقة تجعلك تلتفت 

ولو كنت في أقصى اللعب. 

كبرت... اختفى الصوت. بقي الاسم."


"الذاكرة لا تموت، هي فقط تنتظر كلمة تشبه المفتاح."


"هذا الفراغ هو الأثر... 

والشخص الذي كان يناديك هكذا 

لم يعد موجوداً إلا لأنك تذكرته الآن."


- نص ملل:


"ملّ من كونه اتجاهاً واحداً 

فهرب كوجه مذنب. 

ملّ من كونه اتجاهاً واحداً 

فرمى نفسه أمام سيل جارف. 

ملّ من كونه اتجاهاً واحداً 

فابتاع متاهة ليقضي فيها الباقي من عمره. 

ملّ من كونه اتجاهاً واحداً 

فرحل ولم ينتظر أحداً حتى نفسه لم ينتظرها."


- نص تموز لا شيء يولد خفيفاً:


"لم أُولد في العاشر من تموز... 

تسللت من سؤال تُرك معلقاً في غرفة الانتظار."


"كردي من مدينة تُنكر نفسها أحياناً 

وتبتسم لجلادها في النشرة المسائية. 

حملت اللغة كأنها رخصة عبور 

وخبأت لهجتي في الجيب الخلفي كي لا يصادرها شرطي الهوية."


"لا أطلب من الزمن أن يحبني، 

يكفيني أن لا يعبر فوقي 

كما تعبر السيارات فوق ورقة في الشارع."


"أكتب... لا لأنني شاعر، 

لكن لأنني لا أملك سلاحاً آخر 

غير هذه الكلمات التي لا يصادرها أحد."


نص الرسائل الأخيرة من كوكب محترق:


"أنا لا أكتب لأخلد شيئاً، 

بل لأعطي هذا الرماد اسمه الأخير."


"كنت أعد الغيمات وأرسم بيتنا على الرمل... لكني تأخرت... فانفجر كل شيء."


"أنا الأرض... 

سامحتكم حين حرثتموني بالسكاكين 

لكنني لم أحتمل النار."


الفصل الرابع: البقاء إنساناً


في "في مطلع سنة لا أعدها"


"سأدخل السنة الجديدة دون أن أمسح قدميّ جيداً، 

سيبقى عالقاً بهما وحل السنوات السابقة 

كأنه جزء لا يريد المغادرة."


"لن أكون يائساً فاليأس ترف لا أملكه، 

ولن أكون متفائلاً 

فالتفاؤل يحتاج ذاكرة قصيرة، 

سأقف في المسافة بينهما وأراقب."


"سأكون فقط إنساناً يحاول أن يُبقي قلبه طرياً رغم كل هذا الصقيع."


وفي "إنها مجرد قصيدة":


"وكم من قصيدة أودت بكاتبها للسجن 

ومزقت جسده تحت التعذيب. 

كم من قصيدة أعدمت كاتبها رمياً بالرصاص. يمكنهم حبس الشاعر، 

لكن لا يمكنهم حبس القصيدة. 

يمكنهم قتله، لكن لا يمكنهم قتل القصيدة."


"إنها مجرد قصيدة، لكنها تعيد تشكيل الحياة."


و في "لروح رياض الصالح الحسين":


"الحرب ليست في الساحة، 

إنها في العينين، تتسع وتغلق دون أن نراها. لكننا نحملها داخلنا 

مثل نيران لا تنطفئ."


ختاما 


إن مشروع زكريا شيخ أحمد كما أقرأه 

هو مشروع بقاء إنساني في زمن الطلقة.


الزمن عنده ثلاث حالات: 

نار هادئة

هلام يعبر الجسد

وطلقة قصّت الشريط. 


والفقد عنده 

ديناميكية 

وحركة لا توقف. 


والخراب عنده 

خريطة داخلية، لا مدينة مدمرة.


من الشذرة التي تمشي على حافة الفلسفة، إلى القصيدة التي تصبح كائناً يعبر الخراب، إلى الصورة التي تصبح فكرة، إلى الملحمة التي تصبح كوردستان كائناً حياً، إلى الصخرة التي تصبح سؤالاً عن الاسم، إلى الرأس الذي يُؤكل ويبتسم، إلى الأبجدية التي تتكسر، إلى القصة القصيرة جداً التي تصبح لغماً خفياً، كلها مراحل لشيء واحد:


الشاعر لا يطلب من الزمن أن يحبه. يكفيه أن لا يعبر فوقه كما تعبر السيارات فوق ورقة في الشارع. ويكفيه أن يبقى قلبه طرياً رغم الصقيع، وأن يبقى إنساناً رغم الزجاج والطلقة والرماد.


هذا هو مشروع زكريا شيخ أحمد: 


أن تكتب لكي لا تتحول إلى حجر مهذب

وأن تبقى إنساناً.*




بروتوكول ما بعد الطلقة قراءة محمد وليد يوسف في مشروع زكريا شيخ أحمد الشعري Reviewed by مجلة نصوص إنسانية on 07 نوفمبر Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.